متجر الأحلام الوردية

 متجر الأحلام الوردية



قصة قصيرة

 كنت أركب فرسا وردية تمرق كالسهم بين الغيوم الوردية.. طرت بعيدا عن كوابيس جدتي.. أثارني تجمهر الناس أمام المحل الجديد في شارع الحرية على نحو غير عاد.. أخذتْ فرسي تصعد الجبال وتنزل في السفوح الوردية كأنها تلعب لعبة سهلة مسلية.. قيل إنه يوم العباسية! حيث يُقدَّم الشاي والحلوى مجانا للزوار بمناسبة افتتاح المتجر الجديد.. أحب جدتي، لكنني أخاف كوابيسها التي تزورني.. قفزتُ فرحا.. كل شيء هنا وردي.. السماء والأرض كل ما فيهما يرفل في الورد.. تذكرتُ أمر المعلم: ركز ولا تشرد كثيرا! 

.. هكذا كانت عباسية حمام بوعباية في حومتنا منذ بضع سنوات، حيث أخذنا أبي كلنا نحن الإخوة الستة وهو يهمس لأمي متحمسا:

- عباسية...عباسية في حمام بوعباية الجديد! قومي يا امرأة! خذي البنات! حمام النساء أيضا فيه عباسية.. فين الدراري؟ 

إخوتي البنات الثلاثة أيضا متحمسات لكل عجيب.. لا أثر لما يكدر النفس في السماء الوردية المفتوحة، رحت أخترق الآفاق ولا شيء يوقفني أو يعرقل عدْوي القاهر للمحال.. لا أحد يجادل أن جدتي آية في الجمال، وأمي زهرة من غصنها الوارف، ومع ذلك لا أحب مزاحها الحامض في يقظتي وغفوتي.. آلو.. اليوم عباسية! تعال إلى المتجر نضرب حلوى وشايا بالمجان! راح والدي ينادي كلا باسمه، وهرعت أمي تستحث البنات لجمع اللوازم، الحاضر ينخرط بدوره في النداء على المتبقين بنفس حماس أبي.. كنت طائرا ورديا أخترق طبقات الهواء.. صحت في سري: لا تدقق كثيرا! دع كل شيء يجري كما هو! يوم مزدحم بالفرح في الحمام الجديد، لم يدفع أبي نقودا، كذلك الزبائن بلا استثناء، سنصير جميعنا رسميين لدى حمام بوعباية، أولئك الذين يستعينون بالكَسّال عامل التلييف، سيدفعون له مقابل هذه الخدمة التي يستغني عنها أبي؛ فنحن قبيلة تتمتع بالاكتفاء الذاتي؛ والدي يتكلف بحمادة أصغرنا، والباقي يَتَكيسُ ويتليّف وفقا لقاعدة الاعتماد المتبادل؛ (حك لي ظهري أحك لك ظهرك!).

لم أكن طائرا كاسرا عدوانيا، كنت قُمْريا ورديا، أحس بجسدي أخف من ريشة.. تساءلتُ في سري غير ما مرة: كيف تجمع جدتي بين الجمال والحب والحزم والاستفزاز والمزاح المضجر الحامض، فصارت تطاردني هي وجدي في المنام؟ بمجرد ما سمعتهم يقولون إنها عباسية حتى سارعت إلى المكان، لأشفي غليل فضولي الطفولي، لعل ذلك الفرح يعاودنا اليوم.. دهشت لخفتي في الطيران، كأنما كل ثقلي راح أدراج الهواء أجمل مما تروح كوابيس جدتي في الصحو، وأفضل مما تنزل الأدران بعد ساعة اغتسال ساخن في حمام بوعباية.. 

أعِدْ ترتيب الأشياء في متجر الأحلام الوردية! صحت بأعلى صوتي الخافت.. متجر كبير من الطراز العصري، يشبه الأسواق المصغرة الممتازة، حتى الطيور تهاجم، لكن لم يراودني إحساس بوجود هذا النوع منها في هذا الفضاء الوردي الواسع.. أثارتني اليافطة الأنيقة بعبارتها الغريبة (متجر الأحلام الوردية)، هرعت إلى البيت أخبر أمي عن عباسية غريبة تحدث بجوارنا.. التقيت طيورا جميلة وفراشات ملونة حرة لا يهددها شيء.. رأيت مهجة ورأتني، حيتني من بعيد بابتسامتها الوردية، ضحكت أمي وجدتي خلف المنسج ضحكا يخرج من أعماق القلب، لكنه لم يعجبني وكأنهما لم تصدقاني، همستْ لي:

- سيذهب أبوك إلى هناك عندما يعود من العمل، ويأتينا ببعض الأحلام الوردية.

واسترسلت كل منهما في ضحك مختلف؛ جدتي تلمز بقهقهة مستفزة، وأمي تلتمس المرح كي تقاوم رتابة النسج، قالت لي مرة عن ذلك الكابوس وظلال ظفائرها المتطاولة في الجدار إن جدتي تخاف عليَّ من الحوادث في البستان، وأنها تحبنا، ولا داعي لأخاف منها، كن مرحا مثلها! لا تجعل الأشياء معقدة! فالحياة أبسط مما نتصور.

كنا ننخرط نحن الأطفال في الاستمتاع بحديث جدتي وأمي وأبي بعد العشاء ونحن نقاوم النعاس، ظفائرها الطويلة المخيفة يتحرك خيالُها في الجدار مثل أفاعي الصهريج، فأهب واقفا: 

- جدتي! لديك مطبخ؟ في المرة القادمة حضري عشاءك في بيتك وابقي في بيتك!

ضحكوا جميعا، فيما انسحبت لأنام، ثم عدت بسبب الظلام، لا يزال الكل يضج ضحكا، جدتي لا تغضب مني، ولا تزال مسترسلة في الضحك.

 لم أستطع الصبر والانتظار إلى أن يعود أبي في المساء.. حلقت عاليا ونظرت بعيدا، كان هناك أفق واسع بلا تخوم.. موجات أثيرية تنساب كفالز راقص.. تسللت من وسط الدار، حيث كانت أمي تنسج الصوف برفقة جدتي، ولم تكفا عن الضحك، أمي تقول ما يضحك بنبرتها الطافحة بالدعابة، وتنظران إليّ فتضحكان، وجدتي تعلق على الكلام بلهجتها الساخرة النابية الحافلة بحكَمها التي لا أستسيغها.

في الفضاء الوردي عليك أن تبذل جهدا في التحليق، للجهد ثمار أكيدة، بعض الكوابيس لم يفلح جهدي في طيها بالاستيقاظ إلا بعد مشقة بالغة، جدي وجدتي يعدوان خلفي، وأنا مرعوب أفر منهما بين مسارب بستان النخيل المحفوفة بالحجر التاتئ وشوك الجريد الدامي وقطع الزجاج، وروائح خانقة كريهة، وشواهد القبور على التلة المحاذية للبساتين، وآثار زواحف على الرمل الساخن وقدماي حافيتان...

في المحل الواسع تحلق الناس واقفين حول طاولة كبيرة مزدانة بالكعك وأصناف الحلوى والشاي بالنعناع رائحته شممتها في المدخل.. يا لها من سعادة غامرة وأنا على ظهر فرسي الرشيقة أقطع السهول الوردية والأنهار الرقراقة نحو أمداء نضرة بالخضرة وأجواء مفعمة بعبق الزهور البرية! 

عبق ساحر، رائحة مهجة في الفصل الدراسي، نجلس دائما بنفس المقعد، تلك الأنيقة الجميلة تودني، وأنا أحب رائحتها، أشرد فيها فيفاجئني المعلم بسؤال معجز.. أنت شارد! هيا أجب على السؤال! كم حكاية في النص؟

 سألت شابا كان يرحب بالزوار عن صاحب المحل، استفسرني فيما أريده، فقلت بلا تردد:

- عنوان المتجر عجيب، فهل تبيعون أحلاما وردية؟

 ضحك الشاب هو الآخر تلك الضحكة التي لا تعجبني، أحسست أنها ضحكة سخرية كضحكة جدتي، وسرعان ما بدت الجدية على وجهه فقال لي:

- اليوم عباسية، لكن البيع غدا إن شاء الله...

فناولني كعكا وحلوى، واستأنف:

- غدا يمكنك أن تشتري من هنا حلمك الوردي!

كم جاهدت ذلك الكابوس وكلي عزم على الاستيقاظ وإحباط ترصد جدي وجدتي لي وهما يضمران لي شرا ربما، وإلا لِمَ كل هذا العدوان لمجرد تسللي إلى البستان!؟ جدي يلوّح بعصاه الغليظة في اتجاه رأسي الصغيرة، وجدتي يسيل كحلها من عينيها الواسعتين وظفائرها مسترسلة نحوي مترصدة برقبتي.

 طرت إلى أمي أحمل في أوصالي معزوفات من الفرح الغامر، أعطيتها الحلوى والكعك، وبدأت أشرح لها أنه متجر لبيع الأحلام الوردية، نهرتني، فيما ضحكت جدتي من جديد، بدا الغضب في وجه أمي وهي تأمرني برد الحلوى، عدت، ورفض الرجل أن يأخذها، فوضعتها على الطاولة وخرجت أمشي أحمل أمواج استنكار حزين.

لم أتسلل لأسرق تمرا أو أغصب رمانا، استهوتني رائحة أشجار التين وعبق مهجة عالق في أنفي، إذ تمنيت أن نلعب معا هنا، وكنت أريد فقط أن أقفز في الصهريج، مستلهما بطولات شخوص حكايات جدتي المهولة، تحكيها لنا كل ليلة قبل منامنا عن الغيلان والشطار والفرسان والعفاريت واللصوص، قالت: كم حكاية في كل حكاية؟ فكككها! ولا تستسلم للتيه فيها حتى يأخذك الضجر أو النوم! لم أحفل يوما بتحذيراتها أن بالصهريج أفاعي، قفزت فيه مرة واحدة في يوم قائض صحبة إخوتي وصعدنا منه بسرعة متوجسين لدغا قاتلا.. 

في اليوم الموالي جاءنا أبي بعلبة حلوى كبيرة، وشرع يوزع علينا أحلامنا الوردية، قال لي وهو يناولني قطعتي:

- خذ قطعتك يا عماد!

ـ ما هو الحلم الذي فيها يا أبي؟

- الحلم الذي تحب أنت...

- ركوب الفرس والتحليق مثل الطيور؟

ضحك الجميع، وانخرطت معهم في هذا الفرح الجميل.

 قلت لأخي نعمان إن المتجر يبيع شيئا غريبا اسمه الدَّبَشون، لماذا تنتظر أن أقول لك كل شيء؟ غص في متجر الأحلام الوردية! واكتشف بنفسك الدَّبَشون! 

ذهب في اليوم الموالي إلى المحل الجديد وطفق يشرح لهم الدَّبَشون هناك مستعينا بحركات منفلتة من يديه، وطفق كل واحد منهم يأخذ شيئا من رف ويسأله إن كان هذا هو طلبه، فيقول لا حتى أتعبهم - كما أتعبتك، سامحني! - ثم عاد حائرا كيف لم يجد في هذا المتجر الفاخر المزدحم بالسلع المتنوعة هذا الدَّبَشون الغريب؟ هل كذب عليّ عماد؟ لا لا يمكن، عماد لا يكذب ولكنه حالم وخياله واسع ويحب كل عجيب!

طرت في الأعالي وصهلت فرسي فتردد نغمها بين الفجاج الواسعة الوردية، ضمتني بهجة فائقة وأنا أطل على عوالم غاية في الجمال، حل الليل وكان أيضا ورديا لا حلكة فيه، القمر الوردي يحنو على الأرجاء بنوره الوهاج، وبقيت مدة أطير بسعادة قصوى، حتى سمعت صوت حمدون الخشن الذي لا أحبه يهرع من الزقاق ويقتحم نافذة الغرفة مع رائحة عطنة لروث بغلته:

- بطاطا.. طماطم.. بصل.. لوبياء!

عبد القهار الحجاري


إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال