من يتذكر هذه الحافلة؟
هذه من ذكرياتي المدهشة الأليمة الغامرة المختلطة بالإحساس العميق بالمسؤولية والتوجس من مستقبل قلت حينها إنه ربما صار بكف عفريت، بعد أن تبخرت كل الأحلام حاملة فورة التغيير ومعانقة الغد الجميل، لفوج مجاز كان متحمسا، يطمح إلى الأجمل، فوجد نفسه يختار مكرها الانخراط في سلك التدريس الابتدائي بالسلم 8 وبراتب 2300 درهم، بعيدا عن حضن عائلته، ولم يكن ذلك الإحساس بالمسؤولية عندي فردانيا يحرك فقط مسعاي للوصول إلى بر الأمان مع أسرتي وعائلتي وقد صرت بعيدا عنهما، بل كان أكثر من ذلك هما يتجاوز الذات الفردية، نحو هواجس جمعية مشتركة، بحكم مشاربي ونشأتي وأنا تلميذ في الثانوي بين أحضان ثقافة نهضوية حداثية، أدركنا معها مقولات غاية في العمق والتنوير؛ (الوعي والوعي الديمقراطي)، (دمقرطة الدولة ودمقرطة المجتمع)، (التغيير ببناء روافع النهضة).... وأن التغيير لا يكون فوقيا، كما في تجارب العسكرتاية العربية، بل يأتي من أعماق المجتمع، فهو سيرورة طويلة ومعقدة، تقوض بالتدريج جذور (التأخر التاريخي)، وكل هذه المحصلة ترتبت عن (نقد الذات والأدوات)، فانهال المعول على الصنمية الفكرية وكل الشعارات المسكوكة بالنقد بلا هوادة.
استحضرت هذه المقولات في مقابل أوهام الطفولة اليسارية، يوم ركبت حافلة أندلوسا صبيحة 15 شتنبر 1990، وسط تذمر مبالغ فيه لبعض الزملاء من التعيين، ولا مبالاة آخرين ربما كانوا أكثر واقعية، انطلقنا على متن أندلوسا من محطة حافلات الناظور التي كانت تكتظ بالسلع المهربة من مليلية المحتلة، ولاحظت جحافل المبلترين و مختلف مظاهر الفقر والعوز كما في أي مدينة، لكن هنا في المقابل جبروت المال، رأيت في الطريق الجبلية التي لم تُصلح منذ الاستعمار بنايات وقصورا فاخرة في مقابل مساكن بسيطة، تسير الحافلة المهترئة سير السلحفاة في اتجاه مركز المؤسسة التي سنوقع بها محضر الالتحاق بالعمل، وهي مجموعة مدارس بوغازي، حيث تمر أندلوسا من سلوان، العروي، تيزظوظين، الدريوش، ميضار، تفرسيت، تيزي عزا، وبعد بوغازي تكمل طريقها نحو تمسمان وهي آخر محطة لها لتعود إلى الناظور عبر أنوال، لعسارة، بنطيب، الدريوش، العروي، تيزظوظين وسلوان، رأيت هامشا آخر غاية في الخصوصية اللغوية والثقافية الأمازيغية، لكنه حافل بالتناقضات، بين المعاناة من الإقصاء ومظاهر الفخامة هنا وهناك، ولم يكن هذا جديدا علي، ولكن الجديد هو قدرتي على ملاحظة الفوارق الطبقية وحالة الحصار والتهميش، لأنني في الأصل ابن الريف، يمثل (ميضار) جزء من نشأتي في فترة المراهقة، قبل أن يشد بنا والدي الرحال إلى وجدة بحثا عن فضاء أوسع من السوق الأسبوعي (الخميس تَستيت) وتدخلات القبيلة (جزناية) في حياة ابنها العائد إلى حضنها، لكنه بقي على مسافة منها حين اختار ميضار ليتمكن من تعليم بعض أبنائه، وقد غادر جزناية وهو طفل في التاسعة من عمره ليعيش جوالا في مختلف أنحاء البلاد بعد وفاة أبيه وزواج أمه من عمه، فاستقر به المطاف بالجنوب الشرقي ليتزوج من هناك ببوعرفة، وبعد عودته لم يفلح في البقاء بحضن قبيلته فآثر العودة إلى المدينة.
في الهم الجمعي المشترك، أشير إلى هوسي المبكر بالكتابة، ومنذ وصولي إلى فرعية (إفارني) مقر عملي بمجموعة مدارس بوغازي، أدهشتني الطبيعة الخلابة وسحنة السكان الشقراء وجمال عيونهم، ولطف خصالهم وكرمهم ومروءتهم... باستثناء ذلك اللص الذي سرق منزلنا الطيني ليلة العيد عندما تأكد من غيابنا، والحق أنني وزميل آخر لم نفقد شيئا من متاعنا، ولكننا شعرنا بالإهانة، فتحرك قلمي وبدأت أكتب عن أوضاع الريف بجريدة أنوال، وعن أوضاع الفرعيات المدرسية حتى هددني المدير بعدم الترسيم، كتبت عن الهامش الريفي ورعونة السلطة والطغمة المتنفذة، وألمحت مرارا إلى دورها في تخذير المجتمع، وإعاقة كل تقدم، لم يُسرق سكن المدرس، بل سُرقت المدرسة المغربية وسُرق حلم المواطن المغربي في العيش بكرامة والريف أسطع مثال.
كانت حافلة أندلوسا بشكلها القديم العجيب المختلف عن الحافلات الجديدة آنذاك، بداية رحلة دامت خمسا وعشرين سنة (بين 1990 و2015) في الريف، ثلاثة وعشرون منها ببلدة بنطيب، تاريخ انتقالي إلى ثانوية زينب النفزاوية، ثم إلى عمر بن عبد العزيز، بوجدة، حيث اخترت التقاعد النسبي سنة 2023، كي أتفرغ لشغفي وهوسي بالكتابة والفن.

الإيقاع في السرد القصصي
ندوة قصة أونلاين لموقع صدى ذاكرة القصة المصرية
القصة المغربية اليوم : الحال والمآل
الكتابة والغناء الجماعي المدرسيين
الأغنية المغربية في العصر الرقمي
المقام الخماسي في الموسيقى الإفريقية
ندوة جمالية الفن