الوجود بالقوة والوجود بالفعل

 


الوجود بالقوة والوجود بالفعل:

أفق التمكين واستشكال الهوية والمصير

 في المجموعة القصصية:

 لا شيء ينتهي بإسدال الستارة للقاص علي بنساعود

 عبد القهار الحَجّاري

بقدر ما يحتفظ كل نص سردي في المجموعة القصصية "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة" للقاص علي بنساعود (2) ببنيته الخاصة، سجلنا أنها نصوص تنسج روابط قوية فيما بينها لتشكل بنية واحدة، ولذلك لا نَسْتكنِهُ دلالات أية قصة منها بمعزل عن هذه البنية. وفي دراستنا (1) لهذه المجموعة القصصية قاربنا هذه النصوص باعتبارها كلا يحقق التشاكل والانسجام، وفق رؤيا جمالية واحدة، تحكم التعاطي الإبداعي مع بُنى القهر والاستغلال والمعاناة، تثوي خلفها بنية محايثة في مستوى التحليل العميق وهي بنية الاضطهاد، واعتبرنا قصة "لوحي المحفوظ"(3) ذات موقع مركزي في هذه المجموعة، نظرا لبنائها الجمالي المختلف ذي المنحى السوريالي الذي يقف على مسافة فارقة عن الاتجاه الواقعي النقدي الذي يسم نصوص الكتاب، ما جعلها تأخذ منحى مختلفا، يقودها نحو التحليق في استشكال المصير وأفق الانعتاق الإنساني.

تمثل هذه القصة بؤرة التصور الفني، تتحلق حوله نصوص تشكل في البناء العام للمجموعة أفقا عقلانيا للتمكين، بخلاف غالبيتها التي اهتمت بإعادة بناء مآلات العنف والخوف والانكسار والإحباط والمرض والاعتلال النفسي والارتداد نحو الاستسلام في مواجهة القهر وفي تحولات الذوات وإخفاقات برامجها السردية. هذا التحلق حول بؤرة المجموعة: "لوحي المحفوظ"، أحصره في ثلاث قصص هي: "الطفل الذي..."(4) ، "فجأة انقطع التيار"(5) و"سيف ديموقليس" (6).

إن هذا الأفق العقلاني للسعي نحو التمكين غائب لدى الذوات في غير هذه النصوص المذكورة، ومن الطبيعي في الواقع المُفوَّت أن يكون الوعي بالحالة وبشروط التحول في اتجاه التمكين غير متحقق إلا عند نخبة الشخوص الحاملة لحرقة القلق والسؤال والاستشكال، وهي الحاضرة في القصص الأربع التي أومأنا إليها.

تمثل المتوالية الأولى لقصة "فجأة انقطع التيار" أفق التمكين في مواجهة آليات الاضطهاد، وذلك من خلال رمزية الولادة لدى المعلمة الأولى التي تمثل عند الطفلة التلميذة عنوان الجمال والحب والخير والأمومة في تضاد مع رمزية المعلمة الثانية التي تمثل في النص عنوان القبح والكراهية والشر والنرجسية. يقول السارد البطل الطفلة/التلميذة:

(.... وحدث أن خرجت معلمتنا في رخصة ولادة، فتم تعويضها بأخرى (..) كانت معلمتنا جميلة، بشوشة وأنيقة... بينما هذه قصيرة، بوجه مهمل، وحذاء أغبر، تأتي، منذ حلت بمؤسستنا متأخرة، تلهث، ترتدي أحد جلبابين رمادي أو أسود...) (7).

وبالرغم من اتجاه تحولات الذات في هذه القصة نحو مآل الانكسار إلا أن ومضة الولادة الجديدة في مستهل النص تمثل ملمحا قويا لأفق التمكين، إنها ولادة الخير الممكنة في مواجهة بنية الاضطهاد القائمة على القهر والاستغلال والمعاناة.

ويبرز قويا سؤال الهوية في قصة "الطفل الذي..." (ترى من أكون؟)(8) ويبقى هذا الاستشكال مطروحا على ركح الحلقة، و(لم تسدل الستارة بعد)، حيث يقود الحكيُ الرجل صاحب الحلقة إلى البحث عن هويته بعد أن كان يركن إلى اليقين أنه ابن أسرة تتكون من أب وأم وأخت ذات ذاكرة قوية عن طفولتها، بينما ذاكرته هو مشوشة، وهنا دلالة ارتباط الهوية بالذاكرة، فمن لا ذاكرة له لا هوية له، وأول طريق نحو التمكين نبش الذاكرة وشحذها وتقويتها.

إن الوعي بالكينونة -هنا- والهوية مرتبط بهذا الأفق لدى الذوات المتخبطة في دورة/رحلة الحياة الشقية التي تمثلها صور الولادة والعنف والخوف والحزن والمرض والوحدة والموت التي تشكل الصور المركزية للمسار التصويري الدائري في مجموعة علي بنساعود القصصية، ذلك أن وعي الذات شرط أساسي لارتياد آفاق التحولات المُفضية نحو تحقيق التمكين.

وترتبط صياغة هذا الأفق أيضا بفقدان الحرية في قصة "سيف ديموقليس"، في لحظة إدراك الصحفي فشل المواجهة المكشوفة والمباشرة لطغمة الفساد:

 (لو تذكر يا أستاذ كنت دائما أقول لك: على من ينبش عش الدبابير أن يستعد للدغها)(9).

جاءت هذه الجملة على لسان المحامي الذي يؤازر الصحفي المعتقل بتهمة السرقة، واستعار الكاتب للسياق عبارة اللدغ التي تكون للحيات، بدل اللسع، كي يصور فداحة القهر القاتل المسلط على كل من يحاول الإشارة إلى علة الفساد.

إن لحظة الإدراك تلك تكشف للذات الرافضة للقهر عن السيرورة الطويلة والمعقدة لطريق التمكين، وأنها ليست طريقا مفروشة بالزهور، بل تتطلب التأني والصبر والنفس الطويل في عملية بناء الوعي.

في هذه القصص الثلاث المذكورة، يرتبط بناء الوعي بوعي الذات والكينونة والهوية من أجل ولادة جديدة تمثل أفق هذا التمكين، ولا يمكن أن يكون التمكين حقيقيا من دون امتلاك الذوات لمصيرها، وهذا ما عبرت عنه قصة لوحي المحفوظ.

في هذه القصة تمثل الخيانة دور العامل المعارض للذات (السارد البطل) الباحثة عن موضوع القيمة المتمثل في الخلاص من القهر متعدد الأبعاد الذي يتلظى به الإنسان في رحلة حياته الشقية، ويكون هذا الخلاص عبر ولادة جديدة حقيقية، تكون فيها الذات متحكمة في مصيرها، لكن هذا العامل المعارض (الخيانة) ممثلا في الأبوين، يعرقل الوجود الحقيقي القائم على التمكين، فغياب الحب وحضور الخيانة في سلوك الأب تزج بالذات الثالثة أخت البطل السارد في حالة صدمة وإحباط، عندما تطلع على رسائل غرامية متبادلة بين أبيها وعشيقته، فتهاتف أخاها السارد البطل لتخبره بهذا السر الذي ليس خافيا عليه، فهو مدبر كل هذه الأحداث ومدونها على لوحه المحفوظ. وتدخل الذات الثانية الزوجة أم البطل السارد -بسبب شعورها بالفراغ- في دوامة تمزق بين قيم الإخلاص والوفاء للزوج والأسرة، وقيمة الحب الغائب الذي لم تستطع نسيانه، متمثلا في حبيبها الذي تذكره في سرها.

 أما البطل السارد (الذات1) فهو كيان متعال في هذه القصة، ينصت ويتأمل ويكتم الأسرار التي لا يعلمها في المنطق السوريالي للنص إلا هو، يفكر كي يقرر في وجوده، يعيد قراءة المخطوطة التي بثتها الأم أسرارها، ولا يتفاجأ من شيء، لأنه هو صانع هذه الأحداث كلها، وهو كاتبها في (لوحه المحفوظ)، ويكشف مختتم النص عن حقيقة أن البطل لم يأت بعد إلى الوجود، ولكنه يكتب هذا الوجود، يصنعه بيده، ثم يسائله ويعيد فيه النظر يتوقع ما سيحدث في المستقبل لو عرف والداه ما خطه لهما في لوحه المحفوظ.

(بقي أن أشير إلى أن والدي ووالدتي لم يسبق لهما أن التقيا، بل لا يعرف أحدهما الآخر، وما أخشاه هو ألا يتزوجا إذا قُدِّر لهما أن يطّلعا على ما خطته لهما في لوحي المحفوظ هذا، فأظل وشقيقتي في العدم...)(10).

إن الوجود هنا نوعان: وجود سوريالي متخيل، ووجود واقعي مؤجل، وبين الاتصال الهاتفي للأخت بأخيها البطل السارد وعثوره على مخطوطة ضمن أغراضه، تعود لأمه، يبدو الوجود السوريالي أشبه ما يكون بالواقع العادي، كأنه حلم يبني وقائع مألوفة من دون فنتازية أو مسحات عجيبية، حتى لا نكاد نشك أنه الواقع بحذافيره، لكن قفلة النص تجعلنا نستفيق من تضليل هذا الواقع على صورة غاية في الغرابة، حيث يغدو البطل كائنا بالقوة لا بالفعل، موجود قبل التقاء والديه، سابق لعلة وجوده، والأدهى من ذلك أنه وجود في دائرة التمكين، بحيث يتبين للقارئ أن السارد البطل يتحكم في مصير وجوده الواقعي المؤجل.

يتخذ الزمن السوريالي في السرد مسارا غير خطي، فتحكمه المفارقة الزمنية، حيث الأحداث المرتبة ظاهريا: اتصال الأخت - قراءة مخطوطة الأم - مساءلة الذات للوجود المؤجل، تخفي تداخلا عجيبا للأزمنة، تؤدي فيها المخطوطة وظيفة الاسترجاع لأنها تعود إلى الماضي، وفي نفس الوقت تؤدي وظيفة الاستباق، لأن الحدث لم ينجز بعد لارتباطه بوجود مؤجل، كما أن اتصال الأخت ومساءلة الذات للوجود المؤجل فإنهما حدثان يتمان في حاضر الحلم بوجود لا يزال بعيد التحقق.

نعود في ختام هذه القراءة إلى رمزية الولادة هنا والتي تذكرنا بالولادة الجديدة للخير ممثلا في المعلمة الأولى، لنؤكد ارتباط ملمح الولادة الجديدة -هنا أيضا في قصة "لوحي المحفوظ"- باستشراف أفق التمكين وانعتاق الذوات من ربقة الاضطهاد ومعانقة الحرية والكرامة، وهي ولادة تحقق امتلاك الإنسان لمصيره، تماما كما تمتلك الذات المتعالية في النص سلطة القرار لرسم مصيرها والانتقال من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، أي من الوجود السوريالي إلى إدراك الوجود المؤجل.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) عبد القهار الحَجّاري، الصورة والمعنى دراسة سيميائية في "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة"، مجموعة قصصية لعلي بنساعود، مطبعة بلال، فاس، 2026.

(2) علي بنساعود، لا شيء ينتهي بإسدال الستارة، قصص، مطبعة بلال، 2025.

(3) لا شيء ينتهي بإسدال الستارة، ص 71-74

(4) نفسه، ص 29-33

(5) ص 75-82

(6) ص 123-132

(7) ص 75-76

(8) ص 33

(9) ص 132


إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال