في الحاجة إلى التربية الموسيقية
للإحالة إلى المقال:
عبد القهار الحَجّاري، في الحاجة إلى التربية الموسيقية، موقع ظلال وقطوف: https://www.abdelkahhar.com/2026/02/E.Musicale.html
عبد القهار الحَجّاري
باحث في علم الموسيقى
كانت الموسيقى ولا تزال حاضرة حضورا قويا في الحياة اليومية للإنسان؛ في أفراحه وأتراحه وأعماله وحروبه. يقبل عليها بشغف أثناء أنشطته الاعتيادية، وفي أوقات جده ولهوه على حد سواء. بل أصبحت تفرض نفسها في غمرة الثورة التكنولوجية على المشاهد-المستمع، من دون أن يسعى إليها، في صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الرقمية، في الأماكن العمومية ووسائل النقل وعبر أجهزة الاتصال السمعية البصرية... ولتتضح لنا مدى الحاجة إلى التربية الموسيقية القائمة على العلم، يكفي أن ننظر إلى هذا السيل العارم من الأغاني التي تبثها نستقبلها ونستهلكها من دون وعي في كل ثانية- وهي ليست في نفس المستوى من الجمالية والجودة - وما تعرضه المواقع الإلكترونية، من شتى صنوف الموسيقى الوافدة من مختلف ثقافات العالم التي لا تتوافق بالضرورة مع الخصوصية المحلية.
إن التربية الموسيقية ترتقي بالذائقة الجمالية للفرد والمتعلم بشكل خاص. وتربطه بهويته الثقافية، مما يقوي مناعته الجمالية والثقافية. فيمتلك بذلك تبصرا ثاقبا في انفتاحه على الإبداع الإنساني الزاخر في مختلف فنون الموسيقى، من دون خشية سوء الاختيار لما يقدمه لمسامعه من المادة الموسيقية المتاحة بوفرة هائلة، لأنها تبني قدرته على التمييز بين ما هو راق وما هو ضحل، وتكسبه النفاذ إلى جوهرها وما يحمله من قيم، فيدرك إن كانت تتوافق مع قيمه أم لا.
يحتاج المتعلم في أسلاك التعليم الأساسي والثانوي، إلى مادة التربية الموسيقية، لأنه يكون أكثر انبهارا بالنغم وهو في سن الطفولة أو المراهقة. ويكاد لا يكف عن سماع الموسيقى حتى وهو يراجع دروسه. وهو مدعو إلى بناء قدرته على الاختيار، واتخاذ الموقف الجمالي والثقافي الملائم لشخصيته النامية. و"الموسيقى شديدة الارتباط بأعماق الذات الإنسانية لأنها تصاغ في شكل أحاسيس متعاقبة ومتداخلة، تشبه في ذلك عملية التفكير التي هي عملية باطنية، تتخذ صيغة زمانية، تتمثل في تعاقب الأفكار بعضها وراء بعض. ولكنه يستحيل أن يتخذ قالبا مكانيا؛ أي أن نشاهد الأفكار فيه مجسدة خارجيا" (1) كما هو الشأن بالنسبة للأحاسيس المكانية ذات الطابع المرئي والملموس وقد توصلت الدراسات العلمية الحديثة إلى حاجة الطفل إلى الموسيقى من أجل بناء شخصيته. وتؤكد التربية الموسيقية الحديثة التي تقوم على معطيات علوم التربية وعلم الموسيقى، على ضرورة تحري الدقة في اختيار مادة التعليم الموسيقي بما يلائم طبيعة كل مرحلة عمرية من الناحية الفيزيولوجية والنفسية.
يعتبر الغناء الجماعي إلى جانب الألعاب الإيقاعية والعزف، من أهم الأنشطة الموسيقية والفنية التي تساهم بقوة في السيرورة النمائية للطفل وتكوين شخصيته المتفتحة. فهي توفر أجواء البهجة الجماعية التي تخلق الانسجام والانصهار وتعلم الإحساس بالمسؤولية وسط الجماعة. وتسمح أجواؤها تلك بتمتين أواصر المحبة والتضامن والتعاون والإخاء. ويربي الغناء الجماعي الأطفال والشباب أيضا على مجموعة من القيم التي تجد لها امتدادات مذهلة في سلوكهم، شريطة الاستمرار وبشكل منتظم في التداريب الكورالية، وهي تساعد على النمو السليم للناشئ وتهذب جهازه الانفعالي، وتربيه على فهم نفسه كوحدة لها دور في جماعة متجانسة، يسود فيها شعور الاندماج والتكامل، مما يهذب نزعاته الفردية ويعوده على ثقافة الشراكة ويقوي روح الجماعة لديه. ويطور الطفل والمراهق من خلال أنشطة ودروس التربية الموسيقية، وخاصة الغناء الجماعي ذكاءين على الأقل : الذكاء اللغوي والذكاء الموسيقي. وتعتبر الفترة من الميلاد إلى العاشرة الفترة الأساسية لتطوير هذين الذكاءين. ونظرا لهذه الأهمية الكبيرة التي يكتسيها الغناء الجماعي ضمن التربية الموسيقية والتربية بشكل عام، أطلق سليم سحاب (2) من خلال "مجلة الفنون" دعوة إلى إنشاء حركة كورالية عربية للأطفال واعتبر أن "المدرسة هي المؤسسة الجديرة بأن تلعب دورا مركزيا في إشاعة حركة كورالية عربية، وذلك للانتشار الواسع للمدارس، ولأنه ليست هناك شروط للالتحاق بفرق الكورال فيها، فهذه الفرق تقبل التلاميذ عادة منذ التحاقهم بالصف الأول، ولا تتوخى إلا أن يكون الحس الموسيقي للتلميذ طبيعيا، أي أن يكون له صوت طفولي عادي بمخارج ألفاظ سليمة وأن يكون جهازه السمعي طبيعيا."(3)
تدرس التربية الموسيقية اليوم في العالم المتقدم كمادة دراسية مقررة رسميا للتلاميذ في جميع الأسلاك التعليمية الأساسية والثانوية وفي أسلاك التعليم العالي، حيث تُنشأ لها كليات متخصصة، وهي ذات أهداف تربوية بدرجة أولى، حيث تساعد المتعلم على التحصيل الجيد في المواد الأخرى، خاصة منها المواد التي تقوم على الذكاء اللغوي والذكاء المنطقي- الرياضي. وقد أظهرت نتائج الاستمارات والمقابلات الميدانية لبحثنا طيلة سنوات في هذا الموضوع، واشتغالنا على عينات من التلاميذ بعدد من مؤسسات التعليم الإعدادي التي تدرس بها مادة التربية الموسيقية بمدن : الناظور، الدريوش وجدة تازة وفاس أن نسبة ٪80 إلى ٪100 من التلاميذ المتفوقين في مادة القراءة الصولفائية والقواعد الموسيقية يحصلون على معدلات وتقديرات جيدة في اللغات والرياضيات والعلوم. ويتمتعون بقدرات منهجية في الملاحظة والتحليل والتركيب والمقارنة والجرد والإحصاء والوصف... فدراسة المدونات الموسيقية، بتهجي نوتاتها والتمرن على جملها اللحنية، وقراءتها وفهمها ثم أدائها بالدقة justesse مع الإتقان المطلوبين نطقا وتنغيما، يمكن المتعلم من تطوير تحصيله في اللغات. كما يساعده فهم المنطق الرياضي لمادة الصولفيج من التقدم في مادة الرياضيات. وتمكنه دراسة القواعد الموسيقية من تشرب النحو النغمي المستند إلى خلفيات علمية رياضية وفيزيائية.
أما التدريب على الاستماع والتذوق فيمكنه من تقوية حسه الجمالي. وهذا الدور الذي تضطلع به الدراسة الموسيقية يصب في بناء الشخصيته المتفتحة والمتكاملة للمتعلم. ويحتاج الأطفال لمادة التربية الموسيقية أيضا، لاكتشاف الذكاء الموسيقي مبكرا لدى الموهوبين منهم لتوجيههم نحو بناء كفاياتهم في مجال الموسيقى.
وتختلف التربية الموسيقية عن التعليم الموسيقي المتخصص الذي يتوجه إليه التلاميذ المتفوقون في الموسيقى فيلتحقون بالمعاهد الوطنية التابعة لوزارة الثقافة أو البلديات أو في الجمعيات المتخصصة أو في معاهد للتعليم الخاص، حيث يمكن لكل واحد منهم أن يتخصص في أحد المحتذيات الموسيقية ويتعمق في دراستها. والهدف من هذا التعليم المتخصص هو الاحتراف في مجال الموسيقى، بخلاف التربية الموسيقية التي لا يصبح موسيقيا بالضرورة في المستقبل كل تلميذ يدرسها، كما لا يصير مهندسا بالضرورة كل تلميذ يدرس الرياضيات؛ إنما تتضافر كل المواد الدراسية في كل مستوى دراسي من أجل تكوين شخصية المتعلم، وتطوير قدراته استعدادا للتوجه التدريجي نحو المسالك المناسبة بعد التعليم الأساسي.
أدمجت التربية الموسيقية كمادة دراسية في المنظومة التربوية في جميع الأسلاك التعليمية، في الدول التي ارتقت إلى الوعي بأهمية الفن في الرقي بحياة الإنسان والموسيقى بشكل خاص. وأصبحت تعنى بتدريس الفنون من أجل تحقيق ذلك البعد الجمالي- التربوي في سيرورة النمو والتعلم لدى الطفل والمراهق. وقد تنبهت الأمم المتقدمة مبكرا إلى أهمية التربية الموسيقية في بناء شخصية الإنسان. فأدمجتها في المنظومة التربوية، حيث دخل تدريس الموسيقى المدارس الرسمية في أوروبا وأمريكا في مطلع القرن التاسع عشر، مع العلم أن التعليم الموسيقي المتخصص كان مزدهرا قبل ذلك بكثير تحت هيمنة الكنيسة. أما في العالم العربي فقد دخلت التربية الموسيقية إلى المدارس في بعض البلدان العربية (مصر، سوريا ولبنان) في مطلع القرن العشرين إبان الاحتلال الانجليزي. وتعززت سيرورة إدماجها مع مؤتمر الموسيقي العربية الأول عام 1932 الذي انعقد في القاهرة وأوصي بتعميم تعليم التربية الموسيقية في البلدان العربية. والبدء بتعليم الأطفال موسيقياً من الحضانة إلى الإعدادية. وهي تدرس اليوم في كافة الأقطار العربية، مع تفاوت في مستوى تعميمها.
وتجدر الإشارة هنا إلى ما حققته أوروبا في مجال الغناء الجماعي منذ زمن مبكر، حيث يكفي أن نعرف مثلا أن " بلجيكا عرفت ستين فرقة للغناء الجماعي سنة 1841 ارتفع عددها إلى 258 فرقة سنة 1851، ثم إلى 311 فرقة سنة 1860. وشهد القرن التاسع عشر منذ مطلعه تأسيس حركة كورالية ضخمة تمثلت في ظهور عدة كنفدراليات للغناء الجماعي في الأراضي المنخفضة من أجل تنسيق عمل المجموعات الصوتية. منها مركز التداول العام لممارسة الموسيقى (CBAM) Centraal Beraad Algemene Muziekbeofening الذي يضم 22 هيئة لموسيقى الهواة تمثل 600.000 موسيقي هاو. في بلجيكا لوحدها 2700 مجموعة صوتية" (4). وهذا التراكم المبكر والمذهل في مجال الغناء الجماعي وراءه تعليم موسيقي واسع الانتشار في أوروبا. ونجاح باهر لتجربة التربية الموسيقية في المدرسة العمومية، يعكس نظرة متقدمة، تعطي للفن الموسيقي قيمته الكبيرة التي يستحقها، ويبين إدراك المجتمع لأهمية التربية الجمالية من خلال التربية بالموسيقى. وفي فرنسا "تتقاسم أربعة اتحادات مئات الآلاف من المنتسبين (600000 موسيقي): - اتحاد فرنسا الموسيقي الكنفدرالي Confédération musicale de France - اتحاد فرنسا الرياضي والثقافي Fédération sportive et culturelle de France – الاتحاد الكنفدرالي الفرنسي للجوقات الموسيقية الاحتفالية (إيقاعية – نفخية) Confédération Française des batteries – fanfares - وكذلك Union des fanfares de France اتحاد الجوقات النفخية الفرنسية (5).
أما ببلادنا، فقد كانت التربية الموسيقية تدرس بشكل محدود في المدارس الخاصة بأبناء الفرنسيين إبان فترة الاحتلالين الفرنسي والاسباني للمغرب. وتوقف تدريسها منذ منتصف الستينيات بسبب النقص في الأطر والمعدات التربوية، وبسبب اعتبارها من الكماليات في وقت كان يعاني فيه المغرب من نقص حاد في أساتذة المواد الأساسية كاللغة العربية والفرنسية والرياضيات والفيزياء... وشرع في تدريسها ابتداءً من السنة الدراسية 1995-1996، وعرفت تراجعا كبيرا منذ سنة 2011، تاريخ إلغاء شعبة التربية الموسيقية بالمركز التربوي الجهوي بالرباط، وتوقف عملية تكوين الأساتذة الجدد، فتقلص تدرسها، إذ تم التراجع عن مشروع قطب الفنون وإدماج التربية الموسيقية، لأسباب إيديولوجية تتعلق بذهنية التحريم التي حملتها حكومات العشرية الثانية.
وقد مر حوالي ربع قرن على إدخال المادة إلى التعليم الإعدادي، من دون أن يتحقق مبدأ إجباريتها، إذ لم تعمم لحد الآن على الصعيد الوطني على كل الإعداديات، كما تأخر إلى اليوم إدخالها فعليا إلى الابتدائي والثانوي التأهيلي. كما أن الكتاب المقرر للتربية الموسيقية، بالرغم من الجهود المبذولة من طرف منسقية دعم التربية الموسيقية بالوزارة ولجنة المناهج والبرامج الدائمة، لازال مقصورا على التعليم الثانوي الإعدادي. وهو كتاب مبهم بالنسبة للتلميذ، مشحون بالمعلومات ويحتاج إلى تقويم يجعل منه، بعد مراجعة الكتب المدرسية في المستقبل القريب، وسيلة تعليمية حيوية تساعد المتعلم على إدماج تعلماته واستثمار مكتسباته بما يحقق له تحصيلا جيدا ويعينه على الاستمتاع بجمالية الموسيقى.
وينهض بناء تصور واضح لآفاق التربية الموسيقية بالمغرب، في دراستنا الحاضرة، على تدارك تبعات التراجع والاستفادة من التراكم الإيجابي الحاصل منذ سنة 1995 الذي بني على التجربة العملية للتربية بالموسيقى في التعليم الثانوي الإعدادي- بغض النظر عن مسألة التعميم- ويأخذ بعين الاعتبار الاتجاه العام لسيرورة إدماج مادة التربية الموسيقية في منظومتنا التربوية، مع الانطلاق من الحلقات التي لم تستكمل والأفكار والمشاريع التي لم يتحقق لها النجاح والهفوات والأخطاء والمشاكل الحقيقية التي تعوق عملية نشر نوع من التعليم يقوم على الاستعانة بجمالية النغم والإيقاع من أجل إعداد أجيال جديدة تتمسك بجذورها وتنفتح على العصر وتنسجم مع روحه الإيجابية من أجل غد أفضل ووطن أجمل.
__________________
(1) سناء نذير الترزي، تأثير الموسيقى الأخلاقي في تربية الأطفال، جريدة الفنون، عدد خاص بالطفولة والفن، ع49، كانون الثاني/ يناير 2005 السنة الخامسة، ص 68.
(2) الدكتور مايسترو سليم سحاب أستاذ الموسيقى بدار الأوبرا المصرية بالقاهرة
(3) سليم سحاب، الكورال طريق لبناء قدرات الطفل الذهنية والفنية ، جريدة الفنون، عدد خاص بالطفولة والفن، ع49، كانون الثاني/ يناير 2005 السنة الخامسة، ص 72
AERTS Karel et al. Rédaction de la collection : (4) ANDRIESSEN Pieter, Rencontres musicales, Bruxelles : Editions Artis-Historia, Tome I, 1985 , P133, 134.
(5) أندريه مورات– مارينا دي بالين ، أولادنا والموسيقى، ترجمة رينا شربل، سلسلة أولادنا، باريس: نشر غروس برس، طبعه برودار وتوبان، فرنسيس فا دو فيلد 1996، ص 33 .


الإيقاع في السرد القصصي
ندوة قصة أونلاين لموقع صدى ذاكرة القصة المصرية
القصة المغربية اليوم : الحال والمآل
الكتابة والغناء الجماعي المدرسيين
الأغنية المغربية في العصر الرقمي
المقام الخماسي في الموسيقى الإفريقية
ندوة جمالية الفن