التربية الموسيقية في التعليم الابتدائي بالمغرب

 

التربية الموسيقية في التعليم الابتدائي بالمغرب


للإحالة إلى المقال:

عبد القهار الحَجّاري، التربية الموسيقية في التعليم الابتدائي، موقع ظلال وقطوف: https://www.abdelkahhar.com/2026/02/blog-post.html

عبد القهار الحَجّاري

        لا تزال التربية الموسيقية في المغرب بالإعدادي في نطاق محدود جدا وقائمة ضمن ظروف صعبة رغم جهود إدماج مادة التربية الموسيقية في مختلف الأسلاك، وهي مادة دراسية، إلى الآن غير معممة وليست إجبارية. أما في الابتدائي والثانوي فلم تدخل فيها هذه المادة بشكل رسمي وعملي، بالرغم من اتضاح نتائجها الباهرة في التجربة التربوية العالمية على ذكاء الطفل ونموه النفسي- الحركي والوجداني وآثارها الإيجابية على بناء قدرات الطفل.

     حمل مشروع إدماج مادة التربية الموسيقية ضمن البرامج الدراسية لمرحلة التعليم الابتدائي سنة 2001 الذي أعدته المجموعة التقنية المتخصصة في مادة التربية الموسيقية بتاريخ 20 يوليوز 2001 تصورا متقدما يأخذ بعين الاعتبار معطيات تلك التجربة التربوية العالمية المعتمدة على الغناء الجماعي والألعاب الإيقاعية وتعلم مبادئ القراءة الإيقاعية والصولفائية والتنغيم واكتساب القواعد الأولية الموسيقية. وذلك عبر تقريب المفاهيم الموسيقية المبسطة للطفل عن طريق تلقينه الأناشيد المختارة ذات الأغراض التربوية الملائمة لسنه وإدراكه العقلي، مع التركيز على ممارسة ألعاب موسيقية تستخدم العقل والجسم والحواس، نظرا لخصوصية المرحلة النمائية للطفل وغلبة الطابع الحركي على نشاطه اليومي. وذلك وفقا لطريقة دالكروز (1) على أساس ساعة أسبوعية قابلة للتقسيم إلى حصتين أو الاندماج في حصة واحدة. وتوظف أنشطتها كمعابر بين الحصص، بهدف الترويح عن النفس وتجديد التركيز والانتباه. مع استعمال الوسائل التعليمية الضرورية من دفاتر مدرجة وسبورة موسيقية وآلات إيقاعية ونغمية. وآلة لتسجيل الصوت وقراءته. والتركيز صوت حنجرة التلميذ وهو أجمل آلة موسيقية. وأكد المشروع على ضرورة تكوين الأطر التعليمية في هذا المجال بغلاف زمني يتكون من ساعتين أسبوعيا لمدة سنتين. فتدمج مادة التربية الموسيقية ضمن مواد التكوين بمركز تكوين المعلمين والمعلمات. وتخصص حصة التكوين تلك أيضا لأساتذة التعليم الابتدائي في كل مؤسسة ابتدائية، يتولى تأطيرها أستاذ من أساتذة التربية الموسيقية مع تعويضه بنظام الساعات الإضافية أو طريقة أخرى تراها الوزارة مناسبة. ويمكن لمنسقية برنامج دعم التربية الموسيقية أن تضع في الوقت المناسب البرامج الدراسية الخاصة بأساتذة التعليم الابتدائي وبالتلاميذ، كما يمكنها أن تنظم تداريب خاصة لفائدة الأساتذة المكونين وأن تشرف على وضع الكتب المدرسية الخاصة بالمتعلمين.

       وضمن تصور عام لإنعاش الحياة الموسيقية المدرسية لمنسقية دعم التربية الموسيقية بوزارة التربية الوطنية سنة 2005، نجد أن من دواعي إدخال التربية الموسيقية إلى الابتدائي؛ أنها تدخل البهجة والسرور إلى قلوب الأطفال وتحبب إليهم المدرسة وترغبهم في التحصيل. تساعدهم على تفتح شخصيتهم وتساهم في تحقيق توازنها. إنها ترقق مشاعرهم وترهف إحساسهم الفني وتسمو بذوقهم الجمالي. وتساعد على تنشئتهم على القيم والمبادئ الإنسانية السامية مثل التآخي والتعاطف والتسامح ونبذ العنف واحترام الآخر وتقبل الاختلاف وذلك عن طريق الأناشيد المدرسية الهادفة. وعلاوة على ذلك تعلم التربية الموسيقية الأطفال الانضباط وتقوي لديهم الشعور بالمسؤولية وروح التضامن والتعاون. وهي صفات ضرورية لنجاح كل عمل جماعي. والفرق الغنائية والآلية أحوج من غيرها إلى توافر هذه الصفات في أفرادها لأن الموسيقى تتطلب الدقة الكاملة في أداء إيقاعاتها والضبط التام في إصدار أصواتها. والتقدير الدقيق للمدة الزمنية التي يستغرقها كل صوت...كما تساعدهم على الاندماج الاجتماعي، لأنها غالبا ما تكون في إطار فريق يهيئ عملا فنيا لأجل تقديمه لجمهور قد يكون صغيرا أو كبيرا، وكل ذلك يقتضي من أعضاء هذا الفريق التعامل مع الغير في انسجام واتساق في الفكر والفعل لتحقيق الهدف المشترك.

   وحمل هذا المشروع نفس الخطوات الإجرائية لمشروع 2001 من أجل إرساء أسس إدماج المادة بالتعليم الابتدائي، فيما يتعلق بجميع الشروط الملائمة لإدخال التربية الموسيقية عبر مراكز تكوين المعلمين والمعلمات. وأكد أيضا على ضرورة إعطاء الأطر التعليمية في الابتدائي التكوين اللازم الذي يؤهلهم لتدريس مادة التربية الموسيقية وفقا للطرائق والبيداغوجيات الحديثة وعلى أساس تكوين معرفي وديداكتيكي متين. وينصب هذا التكوين بالأساس على تلقين الأناشيد المدرسية والألعاب الإيقاعية وقواعد اللغة الموسيقية في صورتها الأولية.

    إلا أن مشروع إدماج مادة التربية الموسيقية في الابتدائي قد جاء تنفيذه متأخرا وناقصا؛ إذ لم يعتمد رسميا إلا سنة 2009 ، مع إغفال أهم حلقة في العملية وهي تكوين المدرسين والطلبة المعلمين في مركز تكوين المعلمين والمعلمات. ورغم إدراج مادة التربية الموسيقية والأناشيد في برنامج الابتدائي من القسم الأول إلى القسم السادس، على أساس غلاف زمني يتكون من 17 ساعة سنويا مقسطة إلى حصة واحدة أسبوعيا من ثلاثين دقيقة، فقد لاحظت عدم إدراج أي تكوين في هذه المادة. بمعنى أن هذه المادة الجديدة قد تقرر تدريسها للتلاميذ في التعليم الابتدائي من طرف مدرسين لم يستفيدوا من تكوين معرفي وبيداغوجي في مادة التربية الموسيقية التي تتأسس على علم الموسيقى وعلوم التربية، ولا يمكن اختزالها إلى مجرد نشاط يقوم على تحفيظ الأناشيد، بعيدا عن أية دراسة علمية. وهو الأمر الذي يقر به منهاج التربية الموسيقية في الابتدائي. و" لتحقيق أهداف البرنامج الدراسي ينبغي ألا يبقى اهتمام المدرس(ة) محدودا في الاهتمام بالموسيقى، وإنما يتطلب الأمر العزف على آلة موسيقية، ومعرفة بالقراءة الصولفائية تنغيما وإيقاعا، ومعرفة بالعديد من القواعد المرتبطة باللغة الموسيقية"(2). لكن المنهاج يغفل ضرورة القيام بتكوين المدرسين في هذا العلم في مراكز التكوين والمقاطعات التربوية للمدارس الابتدائية. ويترك للاجتهاد أمر هذا التكوين الذي "لا يتوفر إلا لدى عدد محدود من المدرسين؛ يمكن استثمارهم وتوسيع دائرة عطائهم، سواء على مستوى مدرسي السلك نفسه أو على مستوى الأسلاك التعليمية. كما ينبغي في الاتجاه نفسه إبرام شراكات مع جمعيات وجهات مؤهلة في هذا المجال، واستغلال الإمكانيات التي يتوفر عليها بعض المتعلمين والمتعلمات لمساعدة أقرانهم على اكتساب الكفايات الموسيقية"(3) دون أن يتابع القائمون على الشأن التربوي هذا التوجيه بإجراءات عملية من شأنها أن تبرز ذلك الاجتهاد وتؤطره وتخلق ذلك التكوين بالاعتماد المتبادل بين المدرسين ذوي الكفايات في علم الموسيقى والمؤسسات التعليمية وأيضا عبر الشراكات. وهو مسار مكمل للتكوين الأساسي الذي لا غنى عنه في مراكز التكوين والمقاطعات التربوية للمدارس. وهو تكوين يحتاج إلى ما لا يقل عن سنتين من التحصيل العلمي والعملي في علم الموسيقى بغلاف زمني حده الأدنى مائة وستين ساعة، بتقسيط يتكون من ثمان ساعات كل شهر بصيغة ساعتين للأسبوع.

        وقد جاء برنامج التربية الموسيقية في الابتدائي ضمن منهاج وحدة التربية الفنية والتفتح بالدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي المكونات التالية: - التربية التشكيلية – التربية الموسيقية – المسرح المدرسي – الأعمال اليدوية والتفتح التكنولوجي – التربية الأسرية. وتمثل هذه المكونات شقين:

● شق الأنشطة الفنية والجمالية ويشمل التربية التشكيلية – التربية الموسيقية – المسرح المدرسي

● وشق الأنشطة التطبيقية ويشمل – الأعمال اليدوية والتفتح التكنولوجي – التربية الأسرية(4).

      وتجدر الإشارة هنا إلى عدم وجود مادة التربية البصرية والوسائطية التي تشكل إلى جانب مواد التربية الفنية مشروع قطب الفنون الذي لم يكتمل إلى حد الآن، وليس هناك، لحد الآن كتاب مدرسي مصادق عليه من لدن وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي ومعتمد في الابتدائي، يضم مقرر التربية الموسيقية لأي من مستويات هذا السلك.

         يتطلب تحقيق تعميم مادة التربية الموسيقية وإجباريتها في التعليم الابتدائي، هندسة سيرورة إدماج هذه المادة وفق منطق الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي يستهدف الرفع من جودة التربية والتكوين، وتستجيب هذه الجودة المنشودة من حيث المحتوى والمناهج، لأهداف التخفيف والتبسيط والمرونة والتكيف(5). وهذا يقتضي، في أفق المراجعة القادمة للبرامج والمناهج والكتب المدرسية وعلاقة بموضوع إدماج التربية الموسيقية في التعليم الابتدائي التجسيد الفعلي للمبادئ الفعلي للمبادئ الواردة في هذه الفقرة من الميثاق، من خلال العناصر التالية:

● التخفيف من طغيان الطابع الكمي للمقرر الدراسي، وإيلاء الأهمية القصوى للتعلمات النوعية ، وبناء الكفايات بالتدرج، وبالتالي التخفيف من ضغط الحصص، إذ لا يزال غلافها الزمني الأسبوعي مرتفعا إلى ثلاثين ساعة. مما يرهق المتعلم ويبدد طاقاته وقدراته ويقلل من تحصيله واستفادته.

● تبسيط المحتويات المعقدة التي تفوق قدرات المتعلمين في الكثير من الأحيان، وفي مادة التربية الموسيقية، ينتظر إصدار برنامج في متناول التلميذ. يساعد على بناء المفاهيم الموسيقية وفق ما تسمح به المرحلة النمائية للطفل في الابتدائي، وعدم إغراق المادة في هذه المرحلة بتعقيدات النظرية الموسيقية. والتركيز على تمرير القواعد بشكل ضمني وتدريجي وبناء التعلمات المهارية وفقا للطرائق الفعالة التي تركز على اللعب، وتبعا لذلك إعطاء الأهمية القصوى للألعاب الإيقاعية والغناء الجماعي.

------------------

(1) إميل جاك دالكروز Emile Jacques DALCROZE مؤلف موسيقي وعالم تربية سويسري ولد في فيينا سنة 1856.استقرت عائلته سنة 1875بجنيف. درس الآداب في الجامعة والموسيقى في المعهد..ثم الدراما وفن الإلقاء. عمل في فيينا أستاذا للصولفيج وعلم الانسجام ( الهارموني ). وألف العديد من الأعمال الموسيقية والغنائية. وبدأ في وضع أفكاره في بيداغوجية الإيقاع الموسيقي، ابتداءً من سنة 1903. يرى أن الإيقاع الموسيقي ما هو إلا مظهر لإيقاع الجسد. فوضع عدة تمارين جسدية للجمناستيك الإيقاعي مخصصة لمعالجة اضطرابات القلب الناتجة عن عدم الاتساق في النبضان . وهي من الطرائق الفعالة في التربية الموسيقية التي تعتمد على ربط الحركة الإيقاعية بحركة الجسد. على اعتبار أن الطفل ينجذب إلى الإيقاع قبل النغم . واهتم دالكروز بالخبرات الحسية والذهنية. فربط بين النظرية والتطبيق. كما اهتم بحاسة السمع والتذوق. ومن أهم ما اشتهرت به طريقته العناية بالحركة الجسمانية والاهتمام بالعزف الجماعي. وله بذلك إسهام مهم وطريقة خاصة في الجمناستيك الإيقاعي بناه على أهمية المراكز الأربعة وهي السمع والإبصار والحس والحركة..

(2) وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي، الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، الطبعة الأولى، 2009،ص 150

(3) نفسه، ص 150

(4) نفسه، ص145ومن 150إلى 155

(5) الفقرة 104 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، المجال الثالث : الرفع من جودة التربية والتكوين.



إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال